المنجي بوسنينة

116

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الحلّاج ، أبو المغيث الحسين بن منصور بن محمد ( 244 ه / 858 م - 309 ه / 922 م ) ولد في طور شمال شرق البيضاء ، وهو مكان من مقاطعة فارس بإيران . ارتحل أبوه للعمل في منطقة النسيم الممتدّة من تستر حتّى واسط التي أسّسها العرب ، ومعظم ساكنيها سنّة على مذهب ابن حنبل ، فيها عمّق الحلاج معرفته باللغة العربية وحفظ القرآن . في هذه المرحلة المبكّرة تبيّن للحلّاج أنّ قراءة القرآن غير مخلوقة ، تعبّر عن أفكار إلهيّة فيجب على المؤمن أن يصل إلى استبطان صلواته وإلى تحقيقها في ذاته ، « بذلك تتحقّق محبّة الله التي هي قيامك مع محبوبك بخلع أوصافه » . كان هذا التوجّه أوّل نسمة لفكرة الاتّحاد المشخص بالذات الإلهية في أعلى درجة المحبّة والعشق . لم يكتف الحلّاج إذن بحفظ القرآن وإنّما تجاوز ذلك إلى التأمّل في عمق آياته وتأويلها فصار من الحفّاظ العارفين . وحتّى يعمق اتّجاهه التصوّفي اختار الحلّاج سهلا التّستري ليقرأ عليه ولم يتركه إلا حين بلغ من العمر عشرين سنة حيث ارتحل إلى البصرة ليتلقى خرقته الصوفية على يد عمرو بن عثمان المكي الذي يعتبر شيخه . في تستر تزوّج أم الحسين ابنة الصوفي أبو يعقوب الأقطع فأثمر ثلاثة أبناء وبنتا . وقد أثار هذا الزواج تحفّظ عمرو بن عثمان المكي لأنه كان يعتبر قبيلة الأقطع من الكرنبائيين حلفاء الفتنة الزيدية التي أثارها الزنج ، ومن ثمّة تأثرهم بالبدع الشيعية المغالية ، ويبدو أنّ مصاهرة الحلاج لهذه القبيلة كان الأصل فيما اشتهر عنه من تعبيرات ذات مظهر شيعي في دفاعه عن آرائه ، ومن نزوع إلى نقد الخلافة والدعوة للثورة عليها ممّا كان سببا في القبض عليه لأوّل مرّة بتهمة التآمر الشيعي . واستمرّ يعيش في البصرة بين أسرته عيشة زاهد يصوم رمضان كلّه ، وفي يوم عيد الفطر يلبس السواد الذي هو في نظره لباس من يردّ عليه عمله . حلّ الحلاج ببغداد سنة 264 ه / 877 م حيث قصد الجنيد الذي نصحه بالصّبر لمّا اشتد الخلاف بين شيخه وحميّه إلى أن أعنته الأمر فرحل إلى مكّة حاجّا ومعمّرا في حرم البيت العتيق مدّة سنة ، في وحدة وعزلة تامّين ، واصفا هذه الخلوة بأنّها رجاء عذب يدركه المرء الباطن . خلالها كان يواظب على ممارسة رياضة روحية وجسديّة صارمة يجلس في الحرم ليلا ونهارا ولا يبرحه إلّا للطهارة والطواف ، لا يحترز من حر الشمس وقيظ البرد ، كان يؤتى له ليلا بكأس ماء وقرص من أقراص تمر مكّة ويصبح الصبح وإذا بالقرص على رأس الكأس وقد شرب منه شربتين وعضّ من القرص عضّات ثلاث . كما كان أيضا يصعد إلى جبل أبي قبيس في بعض الأحيان ويجلس على صخرة في الشمس والعرق يتصبّب منه . بعد هذه الحجّة الأولى عاد إلى تستر